ليمكننا أن نقرأ شعر نجيب سرور الآن ، فإننا يجب أن نتخلّى عن بعض قناعاتنا الجمالية ، ونتقبّل برحابة صدر نغمة شعره الإنشائية الضاجة بالإنشاد . يجب أن نضع هذا الشعر في إطار مرحلته- جماليا واجتماعيا وسياسيا – ونضعه أيضا في إطار تجربة شاعر ، لم يكن الشعر شاغله الوحيد ، فعند رصد إنتاجه يبرز المسرح كاهتمام أول له .
تأتي شعرية نجيب سرور الاستثنائية في سياق التحول الشعري منذ منتصف القرن الماضي من البناء العمودي إلى البناء التفعيلي ، وفي سياق تحرر المجتمعات العربية من ربقة الاستعمار ودخولها في مضمار الصراعات السياسية والخيارات الأيديولوجية . كانت التجربة الناصرية في مصر تقود زمام تلك التحولات ، فيما ينخرط فصيل عريض من المثقفين في الجدل الثقافي الدائر بين قطبي اليسار الماركسي والاشتراكي العربي . ويبدو انحياز نجيب سرور واضحا لقطب اليسار الماركسي خاصة في غنائياته – غير المنشورة – بموسكو وبأقطاب هذا التيار ورموزه . كان نجيب إذن محسوبا دائما على صفوف المعارضة ، معانيا لما يعانيه أي معارض يحيا في ظل نظام شمولي . لذا فعلينا أن نتوقع في شعره درجات متباينة من الشكوى والرفض والهجاء للمجتمع والإحساس الطاغي بالعزلة والإدانة للآخرين بل ولنفسه أيضا .
كانت الحرية النسبية التي منحها شعر التفعيلة قد فتحت أمام الشعراء أفق المسرح الشعري الذي ارتاده الشرقاوي ورسخه صلاح عبد الصبور عبر إنتاجه المسرحي الثري ، وعلى هذا الدرب خطا نجيب سرور الذي نوع في إنتاجه بين المسرح الشعري باللغة الفصحى ( ياسين وبهية ) ثم بالعامية ، كما كتب أيضا عدة مسرحيات نثرية . وكرجل مسرح شامل – مؤلف ومخرج وممثل – فإنه قد وجه طاقاته الفنية الخصبة لهذا المجال ، غير أن الشاعر الكامن فيه كان يطل دائما عبر لغته المسرحية مثلما كانت ملامحه الدرامية تطل عبر لغته الشعرية .
وعبر الجدل المستمر بين العناصر الغنائية الرومانسية وأبرزها الأساليب الإنشائية وبين العناصر الواقعية من لغة مباشرة ومحاولة رصد ما هو قريب خاصة عناصر القبح والقهر وتقديم ملامح مصرية خالصة ، يدور عدد كبير من المقاطع الشعرية في دواوين نجيب ، وقد أوردت هنا كلمة مقاطع قصدا ، فدائما سيمكننا التقاط مقاطع من قصائده تجسد شعريته في حالاتها الواضحة دون الالتزام بالتعامل مع النصوص الكاملة للقصائد التي تنفلت وتتسرب كثيرا في وهاد الألم الحاد وردود الفعل المباشرة على الإحساس الضاغط بالضياع والقهر وفقدان الأمل .
دائما هناك مخاطب ما ، يتوجه الشاعر إليه طالبا العون ، هربا من الفقر أو القهر أو الجوع:
" المعنى في بطن الشاعر ،
والشعر عدوّ خواء البطن ،
جوعانٌ في القرن العشرين ،
والإنسان الجائعُ كلب ،
كم في الجيب ؟
ماذا كنت أقول ، كنت أقول الشعر ،
أشعر أني ميت ، فإليّ الفول بزيت "
والمخاطب هنا يتولد من السطر الأخير عبر جملته الطلبية : فإل













