"لا تجرح الأبيض" والعودة إلى زمن القصيد ، بقلم : سيد الوكيل

كتبهاعماد غزالي ، في 20 مارس 2007 الساعة: 01:34 ص

 

 

…الشاعر المصري (عماد غزالي)، بدأ مسيرته الشعرية في بداية التسعينيات من القرن المنصرم ، فكتب قصيدة التفعيلة في وقت عكس هوساً بقصيدة النثر الجديدة لدى كثير من مجايليه، وخلال ذلك وحتى الآن قدم عماد غزالي خمسة دواوين شعرية، وفاز بعدة جوائز كبرى منها جائزة الدولة التشجيعية، وكان من الواضح أننا أمام شاعر متمكن منذ ديوانه الأول ( أغنية أولى 1990 )، ثم أنه وصل درجة كبيرة من النضج الفنى مع ديوان( ظل ليس لك 2004)، ومع بداية (2006) صدر ديوانه الأخير (لا تجرح الأبيض) عن دار هامش.

الديوان أثار دهشة النقاد، فعلى غير المتوقع يعود عماد غزالي إلى عمود الشعر، فينسج على منواله ويقتبس من معانيه وألفاظه، ويبني على أوزانه وقوافيه، هكذا أراد الديوان مغامرة في الزمن (إلى الوراء)، مغامرة تجسد هاجس النوستالجيا الذي نعيشه الآن مفعمين بحنان رومانسي إلى الماضى، ويعتبر ملمحاً مهماً في ثقافة مابعد الحداثة، وموضوعاً شعرياً في قصيدة النثر الجديدة، لكن عماد، لايكتفي بأن يجعل النوستالجيا مجرد هاجس يسكن في الذات أو مجرد موضوع شعري نرصده بعيداً عن الشكل، بل أراد النوستالجيا حالة متكاملة، تضيء بشروطها الداخلية شكلاً وموضوعاً، إقامة خالصة وليست مجرد حالة مستعارة، نقيّفها ونضبطها على مقاسنا مثل بدلة ورثناها عن آبائنا.

تجربة عماد نوع من العودة إلى الأصول الأولى في أنساق الشعرية العربية، ربما ينطوي هذا على نزق ما بعد حداثي تجسده العودة إلى كثير من الأصوليات والخصوصيات الثقافية القديمة، وخلع الأردية المستعارة من الآخر واستبدالها بأردية محلية الصنع.

يقول عماد غزالي إنه أراد أن يشير إلى توعك أصاب القصيدة العربية في رحلة التحولات السريعة التي عصفت بها منذ منتصف القرن الأخير، بدءاً من قصيدة التفعيلة التي كتبها (عماد غزالي) وأخرج منها أربعة دواوين ،وصولاً إلى قصيدة النثر التي صدمت الكثيرين بمغامرتها الشكلانية، لهذا يعتبر ديوانه الأخير (لا تجرح الأبيض) إيغالاً في المعنى، وكأنما الشكل هو معنى المعنى، فحين يعود إلى شكل القصيدة القديمة، فكأنما يلملم ما ضاع من معانيها في رحلة الحداثة.

من أكثر قصائد الديوان إيغالاً في مقاربة الأصول العربية قصيدة الرحلة.

والرحلة.. من معاني القصيدة العربية التي جسدت رومانسية الذهنية العربية، مثل الغزل، لكنها تختلف في اتساعها الزمني، وتجذّرها التاريخى في المكان، وتوجسها من المجهول والمستقبل، وهكذا فقصائد الرحلة تستدعي معاني الحنين، والعودة والموت، إنها باختصار تجسد فلسفة الوجود والمصير عند الإنسان العربي، بهذا الوعي يعود عماد إلى وصف الرحلة، ليجعل القصيدة شكلاً وموضوعاً مجسداً لفلسفتها بالعودة إلى المعنى والشكل القديم، رحلة عكسية، محتشدة بمعاني الالتفات، سواء كان ـ كما في الديوان ـ التفاتاً أيديولوجياً على نحو، يتجسد في التجربة بالنظر إلى نازع الماضي فيه، ذلك الالتفات الذي يتجاوز مجرد العودة للشكل العمودي، بل ويدعم رصيد الماضي بكثرة التضمينات والاقتباسات من فحول شعراء العربية، والتدثر بلغتهم ومعانيهم، لكن قصيدة (الرحلة)، تحقق التفاتاً جمالياً، في تصويرها لمشهد الصاحبين وقد ظعنا فيما تزوي البلاد خلفهما، إنه التفات يتحقق قرائياً ونحن في مفترق طرق بين زمنين : ماضٍ ولّى واندثر بحلوه ومرّه، ومستقبل مجهول، مفقود، وهكذا كان الحنين إلى الماضي، والعودة إلى الأصول، ليس اختياراً أو تعبيراً عن مزاج ماضوي بقدر ما هي عودة جبرية بعد ضياع كل ملامح المستقبل. ومن ثمّ فإن الالتفات الجمالى يفسر الالتفات الأيديولوجى ويشرحه، ناهيك عن الالتفات اللغوي والبلاغي الذي تحققه التجربة الشعرية في ديوان (لاتجرح الأبيض).

يقول عماد غزالى في قصيدة الرحلة:

ولي صاحب يبكى إذا الدرب أعثرا

وغيّبَ ظلَّيْنا

بعيداً عن الورى

يقولُ أما غيرُ انتهاءٍ على الظما

ولا وجه نحو الروح

بالبشر أسفرا

هكذا تتناص تجربة الديوان مع تجربة الشعر العربى القديم في أسئلته ومعانيه، والأبيات ليست من شعر امرئ القيس بل من شعر عماد غزالي، ولكن القارئ لن يخيب ظنه تماماً، فليست روح امرئ القيس ـ فقط ـ هي التى تحوم في أعطاف القصيدة، بل نراه بنصه أيضاً:

تلفّتُّ نحو الخِلّ ينأي وخطوه طليقٌ

كمأسور إذا ما تحرّرا

وأرجعتُ عينى نحو مجهول سِكَّتى

أغالبُ أشجانا ودمعاً تحدّرا

( إذا قلتُ هذا صاحبٌ قد رضيته

وقرّت له العينان بُدِّلت آخرا

كذلك حظّي

ما أصاحبُ صاحبًا من الناس ، إلا خاننى أو تغيَّرا)

وهكذا يحضر امرؤ القيس بنصه في البيتين الأخيرين، ليتأكد أن غرض القصيدة ليس وصف الرحلة بل وصف التخلي، أي غياب الصاحب، وشتان بين الأمرين، فوصف الرحلة موضوع خارج الذات، أما الشعور المرير بالتخلي وغياب الصاحب فهو لصيق بالذات، مؤرق لها على نحو يحيل التجربة الشعرية من المعنى العام إلى الخاص، وفي لحظة كهذه تلتقي شعرية عماد غزالي بشعرية امرئ القيس، أي أن عماد غزالي لا يحاكي تجربة الرحلة العربية كما نجدها في إطار التقليد الشعري، بل يخلصها من تقليديتها ويرقى بها إلى مستوى الموقف الجمالي للذات في واقعها المعاصر، عندما ينتقي منها ما يجسد تجربته المعاشة، بمعنى أنه لا يستدعى القصيدة القديمة إلا ليعيد اختبارها في واقع مغاير، يكشف عن قدرة الماضي على التواصل الحيّ مع الآني .

وإذا كانت التجربة المعاشة لحياة امرئ القيس ـ أيضاً ـ تعتبر تجسيداً قاسياً لمعنى التخلي، بالإشارة إلى تجربته المعروفة مع أبيه، وإذا كان معنى التخلي ينسحب من الصاحبين إلى الآباء، فمعنى هذا أن التخلي لم يعد مجرد موضوع شعري، بقدر ما هو تجربة وجود، وهكذا فإن تجربة عماد غزالي تجد في الماضي تفسيراً لأزمة الخطاب الشعري المعاصر، وتقف نفس الموقف المعقد الذي تتخذه قصيدة النثر، ويتجسد في تناقضاتها وارتباكها بين هاجس الحنان إلى الماضى في نفس اللحظة التي تعلن فيها نوازع دفينة في قتل الأب، أو على الأقل عصيانه والرغبة في الثورة عليه .

وإذا كنا قد اتخذنا من قصيدة الرحلة نموذجاً لشرح العلاقة المعقدة بين حداثة الموقف وماضوية الشكل، فإن الديوان (لاتجرح الأبيض)، يضم (16 قصيدة )، كل منها تمثل مغامرة ذات طابع مختلف، وتكشف عن ملابساتها عبر اشتباكها المركب بين الشكل والمعنى، ما أريد قوله أن تجربة كهذه ينبغى أن تؤخذ على محمل الجد، أن ينظر لها بوصفها محاولة للوقوف على موضع متفرّد للذات الشاعرة بدلا من الاستسلام لمشاعر الاستلاب، والبكاء على ضعف الذاكرة العربية، وسواء كنا نختلف مع تجربة عماد أو نتفق معها، علينا أن نعطيها حقها من التأمل والتحليل.

( نُشر بجريدة الشرق "القطرية" ، بتاريخ 7 نوفمبر 2006 ) 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مختارات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “"لا تجرح الأبيض" والعودة إلى زمن القصيد ، بقلم : سيد الوكيل”

  1. كأن سطورك تشى بخطوك للمعانى …

  2. الشاعر الرقيق - المرهف الحس

    دائما ما يعانى

    والمعاناة تسفر عن أبداعات

    هى روح ووجدان الشاعر التى تذوب فى معاناته

    فهون على نفسك هذا هو قدر الأبيض .

    ندى أمام



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر